عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

713

معارج التفكر ودقائق التدبر

* وَهُوَ كَظِيمٌ : أي : وهو ممسك على ما امتلأت به نفسه من غيظ وغضب ، ويقول في نفسه عن المولود من الإناث : * أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 ) : أرى أنّ هذا تعبير عن تصوّرات العربيّ الجاهليّ قبل الإسلام . أي : أأبشّر بمن لا يكسب لي رزقا ولا يدافع عنّي في قتال ، ولا أفتخر به بين النّاس ، ومن ينشّأ أو ينشأ في الحلية ( الحلية : ما يتزيّن به من مصوغ المعادن وغيرها ومن الحجارة الكريمة ) وهو في الخصام ( أي : المخاصمة ) غير مبين بحجّة دامغة يقبلها أهل الفكر والرّشد والبيان . هكذا كان حال النّساء في الجاهليّة عند العرب ، فالجاهليّ كان ينظر إلى الأنثى من خلال هذا الواقع الّذي كانت عليه المرأة في الجاهليّة قبل الإسلام ، لذلك فهو يكره أن تولد له أنثى . واللّه عزّ وجلّ يؤنّب الّذين يجعلون الملائكة إناثا ، ويزعمون أنّهنّ بنات اللّه ، وهم يكرهون أن تولد لهم الإناث ، لأنّهنّ لا يحمينهم ولا يزدن في ثرواتهم ، بل يحمّلنهم أعباء حيواتهنّ . ويقول تبارك وتعالى أيضا بشأن زعمهم أنّ الملائكة إناث : * وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً دون أن يكون لهم دليل خبريّ عن اللّه جلّ جلاله ، ودون أن يكون لهم شهود حسّي لهم ، فقال تعالى : أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ و [ أأشهدوا خلقهم ] في القراءة الأخرى ، فعرفوا من مشاهدتهم البصريّة أنّ الملائكة إناث ؟ ! هذا منهم ادّعاء عجيب لما فيه من كذب مفضوح . ستكتب شهادتهم إن شهدوا بأنّهم رأوهم إناثا بشهود بصريّ ، ويسألون يوم القيامة عن شهادتهم الكاذبة ويحاسبون عليها ويجازون . وبهذا تمّ تدبّر الدّرس الثّالث من دروس سورة ( الزّخرف ) . والحمد للّه على معونته ، ومدده ، وتوفيقه ، ومننه ، وفتحه .